السبت 24 أكتوبر 2020الساعة 10:21 صباحاً بتوقيت القدس المحتلة

في الذكرى 35 لأستشهاد الشاعر والمناضل علي فودة

21/08/2017 [ 10:11 ]
في الذكرى 35 لأستشهاد الشاعر والمناضل علي فودة
سليمان زهيري

قنير، القرية المُهَجَّرة المُدَمَّرة، بأبنائها وأشجارها ومواشيها وطيورها وتنوع فصولها، قد لا تكون معروفة لأحدٍ في أقصى الغرب، أو أدنى الشرق، لكنها وكمثل أية قرية ريفية كانت بيوتها تتشبث بالأرض الطيبة وتشد بعضها أزر بعض.  فهي النموذج الحي للقرية الفلسطينية بجلالها وجمالها وبهاء شمسها وخضرة حقولها ورائحة خبزها وصفاء مائها ونقاء هوائها وزرقة سمائها وسحر ليلها وتلأليء نجومها، كانت تضم بين جنبات بيوتها شباب متقدين بجذوة آمال عريضة لا تخبو، وشابات تتوشح بوهج نور أحلام لا تنطفيء، ورجال بعزيمة لا تكل ونساء بهمة عالية لا تمل.

كانت قرية قنير الحيفاوية التي انتمي اليها، تنتشر على جوانبها البساتين والمزارع ذات الطبيعة الساحرة، وتحف دروبها الأشجار الوارفة  كالسنديان والبلوط والكثير من عرائش العنب التي تستظل بها البيوت الطينية العتيقة، وتتحلق حول ينابيعها وضفاف أوديتها الأعشاب ذات الأزهار الجميلة، وكانت في الغالب تنام بعد العشاء غارقة في الظلام الساحر، فلا تسمع فيها الا صدى السكون أو نباح الكلاب أو أزيز صراصير الليل أو ضحكة مكتومة أو همسا خافتاً أو دعاء من تجافى جنبه عن المضجع فقام الليل متهجداً ومستغفراً، فالسمة الغالبة على أهل القرية هي الفلاحة، وبوصلة الفلاح الفلسطيني تؤشر دائماً الى الحقل الذي يسري إليه مع عناق القرية لأول خيوط الفجر بعد أن ودَّعت اخر رمق من  هزيع الليل.

في هذه القرية وعلى بوابتها الغربية، شجره بلوط ضخمة تتوسط البيادر شهدت في الفاتح من نيسان بكاء الحياة الأول الذي رافق ميلاد الشاعر العظيم علي فودة،  حيث كان ينام تحت ظل بلوطة جدة  في مهد خشبي متواضع وهو ما يزال بأشهره الأولى أثناء إنشغال والديه في أعمال الحصاد على بعد أمتار منه في نهاية ربيع عام 1946م، وفي موسم الحصاد التالي حملته أمه إلى ذات المكان وقد بدأ يخطو أولى خطواته المتعثرة، ليلعب تحت ظلها حتى يغلبه النعاس فيغفو، بعد أن تلفح محياه الغض نسمات منعشة بحرية المنشأ عليلة رطبة تهب غربية، وبكل تأكيد لن يحالفه الحظ للاستمتاع باللهو واللعب في موسم الحصاد القادم، فلم يكد يفتح عينيه على معالم قنير ولم يكد يحفظ وجوه أطفالها، ولم يكد يتقن لفظ اسمها حتى حلت به وباسرته وأبناء قريته وشعبه ام النوازل وأفظع النكبات بعد عامين من مولده، فإقتلعته وزلزلته وهو طفل رضيع وألقت به في مهاوى الغربة واتون اللجوء،  لتزداد غربته ألما وقسوة بوفاة والدته منبع العطف والحنان.  لقد أمضى ربيعين من عمره  في قنير فيما كُتِبَ له أن يقضي  الأربع وثلاثون ربيعاً الباقية من عمره، في خيمات النزوح ومخيمات البؤس واللجوء حيث تقوده الأقدار إلى الأردن ثم العراق قبل أن ينتهي به المطاف فيستقر في بيروت، فيترجل الفارس البطل هناك ليسقط شهيداً في سن السادسة والثلاثين.

 لقد نجا علي من مجازر التطهير العرقي وهو رضيعاً لتلاحقه طائرات الحقد والبغي الصهيونية إلى بيروت وهو في ذروة الشباب وعنفوان الثائر، وجرأة الشاعر وصلابة المقاتل، حيث إستشهد وهو يحمل صحيفة الرصيف التي كان يحررها.

لم يتعامل علي مع مسقط رأسه "قنير"  كحيز جغراقي معزول عن باقي مكونات واجزاء الوطن، إنما وجد فيها الجزء الأصيل الذي يعكس انتمائه الوطني وكيانه الانساني، ليُعَبِّر من خلال تعلقه بقريته عن حبه لوطنه وترابه المقدس واستعداده لبذل روحه رخيصة في سبيلة.  فتغزل بكل تفاصيل الوطن، بهوائه ومائه وشجره وطيوره وكرم اهله وبديع فصوله، وروعة تضاريسه، فأعلن تقديسه لسهوله وجباله وتلاله وأوديته وسحر نسمات فجره.

فكانت "قنير" على الدوام تمثل - في شعره وخياله - النافذه التي يطل من خلالها على ربوع الوطن ويناجي عبرها بلدات فلسطين بأشجى الألحان، فنظم أروع القصائد وأجمل الأغنيات تعبيراً عن شوق مزلزل لثرى الوطن،  ومطلقاً العنان لعواطفه الجياشة لترسم الإرادة الصلبة والعزيمة القوية للاستمرار على درب النضال والكفاح تجسيداً لحق العودة للديار كهدف قريب المنال.  لقد  نقش حروف قصائده بالنور والنار على صفحات الزمان، حيث أعلن فيها عن نيته الاتحاده والالتحام جسدياً وروحياً وفكرياً مع تراب  الوطن  – حبا وطواعية -، ليبقى قلبه -دائم الخضرة وان بان في عينيه الأسى -، فتحققت أميته في بيروت - العزة والبطولة– فتخلد شهيداً محلقاً فوق ذرى المجد - سراً وعلانية-،  فحفر اسمه عميقاً في ذاكرة الأجيال، ورسم بفلسفة الرفض والتحدي، معالم درب  العزة والشموخ والإباء  لقوافل الثوار، فحفظوا عن ظهر قلب كلماته، وبرعوا في استخراج الحِكَمَ الثورية من  ايماءاته فساالكرمل على هدى ترانيم قصيدة، وليكن الفنان الكبير مرسيل خليفه استثناءً، فلم ينتظر طويلاً قبل أن يغني رائعته التي ملأت الأرجاء ثورة وصخب، و – رشاش عنف وغضب- :

أني اخترتك يا وطني

إني اخترُتك يا وطني

حُبّا وطواعية

إني اخترتك يا وطني

سِراً وعلانية

إني اخترتك يا وطني

فليتنكّر لي زمني

ما دُمْتَ ستذكُرني

يا وطني الرائع يا وطني

دائمُ الخضرة يا قلبي

وإن بان بعَيْنَيَّ الأسى

دائمُ الثورةِ يا قلبي

وإن صارت صباحاتي مَسا

جئتُ في زمن الجزْرِ

جئت في عز التعب

رشاش عنف وغضب

» اقرأ ايضاً