السبت 24 أكتوبر 2020الساعة 08:12 صباحاً بتوقيت القدس المحتلة

غزة في رمضان... حين يفيض الألم من اليابسة للبحر...!

27/04/2020 [ 12:00 ]
غزة في رمضان... حين يفيض الألم من اليابسة للبحر...!
أكرم عطا الله

هي غزة التي تتألم ومع كل شهر رمضان ...تطفو معالم البؤس من جديد ..أنظر إلى وجهها الحزين.. أتحسس حرارة دمعتها التي لم تتوقف المقل عن سكبها في مجرى حياة لم تعرف سوى الشقاء والبكاء الذي يرافق تاريخها بلا استراحة تمن عليها بفسحة أمل بين مآسٍ لم تتوقف عن التساقط تباعا كأنها خلقت للعذاب.
غزة التي أهدت الفلسطينيين يوما أملا كبيرا بحجم الكون استولده ابنها ياسر عرفات من أزقتها الصغيرة تتحول مع رمضان الجميل إلى كابوس لأمهات لم يعدن ينتظرن عودة الأزواج على عتبة الدار محملين بطقوس الفرح.
فلم يعد الرجال قادرين على الحفر في صخور الحياة أكثر فقد تكسرت كل معاول الارادة أمام مطرقة الواقع الثقيلة، ولم يعد الأطفال يغنون في الشوارع فقد انطفأت كل الفوانيس حزنا.
هل لنا أن نتصور بؤسا ينبعث من أسرة تلوك جوعها قبل رمضان ليباغتها هذا الشهر الفضيل كما منذ سنوات في ذروة انكسارها وتوقها لكسرة حياة ولعام أفضل ورمضان أكثر دفئا وليوم أقل جوعا ولساعة يتوقف فيها الألم عن احتلال قلوب لم تعد تعرف الهم ولعنة العمر الذي ألقى بالناس في هذا المكان، لأن سياط الفقر لم تتوقف عن جلدهم أمام مرأى ومسمع القريب والغريب.
ذات مرة كتب الصديق الشاعر خالد جمعة أن غزة ولدت على شاطئ البحر فاحضروا لها عرافة لتقرأ مستقبلها، كانت غزة الوليدة طفلة مشاكسة لا تتوقف عن البكاء وتضرب أيديها في الهواء وبحركة عشوائية غاضبة من يدها اقتلعت عين العرافة فقالت لها «كوني ملعونة أبد الدهر»، وقد كانت ....دون أن يحنو عليها أحد حتى ذوو القربى كانوا أشد مضاضة من أعدائها وهم يتفرجون على مأساتها الدائمة.
غزة تطل بفقرها كل عام تتصدى لأنياب تمددت في أحشاء عائلات لم تعد تجد ما تأكله بفعل الانهيار الذي يحصل منذ سنوات منذ أن مارس أبناؤها ترف الاقتتال على حكمها لينتهي بها الأمر في مستودع مغلق بلا أمل، يقول إن الغد أجمل وكلما شارفت على الحلم لا تعرف من أين تأتيها الكوابيس لتذكرها بالبؤس الذي قرر أن يساكن أهلها للأبد.
هل يتصور أحدنا أن تصحو امرأة لتعد السحور لأطفال ينامون على انقطاع الكهرباء؟ وهل يتصور أحدنا أن لا تجد تلك المرأة ما تعده سوى علبة فول وبعض الخبز لعائلة ربما كانت كريمة يوماً ما قبل أن ينقلب الزمان ويلقي بالبشر على أرصفة الحرمان في هذه المنطقة التي شاء قدرهم أن يولدوا فيها، أي حياة تلك ؟.
في غزة أطفال انتزعوا من براءتهم وباغتتهم الحياة بشقائها قبل أن تبدأ عيونهم بالتفتح، ولا ذنب لهم سوى أنهم من هذه المنطقة التي تبدو كأن التاريخ يصفي حساباً قديماً معها ولن يغلق، أو كأن كل هموم الكرة الأرضية وضعوها في كيس كبير وألقوا به في غزة ثم أغلقوا البوابات وراءهم، أي عقل ممكن أن يتصور أن يعيش البشر حياة كهذه؟
وأي عقل يتصور أن ينتهي الفلسطينيون في المنطقة الأكثر حيوية الفائضة بالحلم والأمل الى المنطقة الأكثر حزناً، فقد فاضت اليابسة على بحرها دموعاً لم تتوقف عن حفر مجراها في رمال غزة التي تشكو همها للسماء وحدها.
في غزة شعب آن الأوان له أن يحيا كباقي البشر، في غزة مدينة الساحل والجميلة أناس ومجتمع وعائلات وعشاق وأطفال ونساء وعجائز، لهم ذاكرة وذكريات لم يورثوا أحفادهم سوى مفتاح الدار وقسوة الحياة، في غزة الناس نادمة لأنها تزوجت وأنجبت كأنها سبب لمعاناة آخرين ولا أبالغ بذلك لم تعد هناك شهية للحياة لدى كثيرين لأن الحياة نفسها غادرت تلك البقعة.
إلى متى ستستمر الحياة بلا حياة في غزة؟ إلى متى سيستمر الناس الذين لم تتسع روايات فيكتور هوغو وصفاً لآلامهم، فقد وصل صراخها المكتوم حد السماء وليس هناك من يمسح دمعها ولا يلملم جراحها، الأعداء والأصدقاء وذوو القربى والتاريخ والجغرافيا الصغيرة والفقيرة والبحر، وهي تشكو بصمت حتى لا يسمع الأعداء ما فيها من خزف مكسر أصبحت كل أطرافه جارحة ودامية.
كيف كانت شراسة الأعداء أقل قسوة من جهل أبنائها الطافحين بالطيبة عليها؟ وكيف لهذا الجهل وتوق الحكم أن يطيح بإنسانية البشر في ظل من يتربص بها وينتظر الفرصة لإذلالها لأنها أول من علقت الجرس لتتفتح عهداً من الكبرياء قبل أن يخرج لها التاريخ الماكر لسانه في رحلة الذل الحاصلة الآن، وتتحول الى كتلة من المتسولين أمام أمة أصيبت بالتخمة.
رمضان ينكأ الجروح لأن التزاماته أكبر ولأن الأطفال الجائعين طوال اليوم لا تسد رمقهم وجبة تقف على سلم الفقر، ولأن العائلات بحاجة الى أن تشعر بأن لها الحق في الحياة ولأن كل المساهمين بجهلهم في صناعة هذا الواقع لا يشعرون بمأساتها، ولأنها جزء من الشعب الفلسطيني ومسؤولية السلطة الفلسطينية التي يجب ألا تترك غزة ينهشها الحرمان بعد كل هذه السنوات. فلم يرتكب سكان غزة تلك الشرور كي يكون هذا مصيرهم لأعوام طويلة مغلقة ولأعوام طويلة جائعة حد التسول ولأعوام طويلة تبحث في شوارع العمر عن حياة وفي كل عام ترفع أيديها للسماء كي يكون الغد أجمل ولكنه يزداد بؤساً، فأي عالم هذا وأي جنون أن يستمر الألم إلى ما لا نهاية، هناك شيء ما، أو أشياء تواطأت لتنتج هذا القدر من الألم، لها الله...!

» اقرأ ايضاً