هل الانتخابات ستجب ما قبلها ؟

2021-01-23
د.محمود عبد المجيد عساف

في واقع يموج بالتناقضات، وعلى أثر الخيبة في كل محاولة لحياكة النسيج السياسي المهترئ، والوحدة الوطنية المأمولة، وعلى ويلات الانقسام الذي ألقى بظلاله على شتى مجالات الحياة المفعمة بالآلام، يتململ فرخ الإصلاح لعله يجد من يسعفه بالدعوة للانتخابات، فينادي بها المصلحون، والذين لم يحالفهم الحظ لتجميل صورة الديمقراطية، والاحتكام لصوت الشعب في تقرير مصيره، وتحديد شكل السلطة التي تحكمه.

مفاوضات وحوارات، ومباحثات مكوكية وخلافات أصيلة في النهج والطريقة.. كلها اجتهادات أدت إلى الإجماع الداخلي على إجراء الانتخابات كفرصة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعدما أعلنت أقطاب السلطة في غزة والضفة براءتها من ذنب الشعب وما آلت إليه أحواله، براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

أعلم جيداً، وحد الاستسلام أن الانتخابات كإجراء سياسي نزيه، والكتابة عنها محكوم بالقصور مهما حاولت، وأنه من المستحيل تحويل الألم المكدس على مر السنوات السابقة إلى زينة رأس السنة الميلادية، وأعلم جيداً أنه من الغبن والقهر أن تحاصر تضحيات الشعب في نص أو أن تقيد بين فاصلتين أو علامتي تنصيص، فما هذا إلا كمن يحاول تعبئة البحر في زجاجة، لكن أي كان الحوار والجدل حول الانتخابات وما بين (جاهزون) و(مستعدون)، وبين من فرّ ومن كر، ومتى ستتم أو تجرى، وفي أي مكان ستجرى (غزة- الضفة- القدس)، فلا أعتقد أن أحداً يختلف على ضرورتها في الوقت الحالي، والسؤال الذي يجول بخاطري ولا يفارق أروقة جمجمتي: هل الانتخابات ستجب ما قبلها؟

بمعنى هل سينجو كل من كان سبب الألم والفقر والعوز، والجوع والقهر والظلم، والموت والانتحار، وقضم الأحلام، والهجرة بفعلته، ويعود لنا بوجه انتخابي جديد وببرنامج ووعود تعود بنا إلى حياكة الأحلام على خصر بلقيس؟ هل سنكرر الخطأ وننتخبهم من جديد؟ هل سيخدعوننا مرة أخرى مستغلين حالة العوز والفقر والقهر، والتشوه المعرفي حول مفهوم العلاقة بين السلطة والشعب؟ هل سيقدمون قائمة حزبية من عكاكيز الإغريق بحجة السجل الوطني الحافل بالخيبات والانجازات الوهمية لكل منها؟ هل سيخرجون علينا بالفحولة الخطابية والتنظير المخصي لشخصيات حلبت القضية حتى شبع الجيل الرابع من أبنائها؟

لقد حضرت عشرات بل مئات المؤتمرات ذات العلاقة، وللأسف في كل مرة تزداد غصتي، فتجد التمسرح في الولاء والأداء، والتركيز على المشاعر لدفعها باتجاه قناعات ترغم المتذمر من الوضع الحالي على جلد ذاته، وتحميل نفسه جزء من المسؤولية، وأن القادة قاب قوسين أو أدنى من الجنة.

كلها أسئلة تصب السبخ على الروح، والقار على القلب لو فكرنا في إجابتها جيداً، خاصة وأن الآفاق المحلية، والواقع المرير، والتبعية الدولية لا تبشر بأن هناك بدائل، وأن أساس النجاح في الانتخابات أو السماح للفائز فيها سيكون مرهون بتنفيذ أجندات إقليمية، وهذا يعني أن السلطة القادمة ستكون وظيفية بامتياز، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالإرث التاريخي والوطني للقضية.

قد لا يرى البعض أن ما أفكر فيه قضية لا تستحق البوح في الوقت الحالي، وأن المهم في الموضوع هو تحقيق السيادة الوطنية بإجراء الانتخابات، وبعدها لكل حادث حديث، لكني أعتقد عكس ذلك فالمورث الثقافي والاجتماعي اليوم فقد وعيه بمدلولات لا ترتبط إلا بالمصلحة الفردية ، وما نحن فيه يستوجب الحشد الجماهيري والقرار الشعبي .

إن ما نسمعه يومياً من أحداث إقليمية (عسكرية-أمنية..)، والتحويلات في أدوار دول الخليج العربي بالذات، لا يبشر بأن الأمور ستمر بسلاسة ويسر، ونشوء التحالفات االمتشعبة وفق الأهداف خلال السنوات الأخيرة، مثل: (قطر- تركيا-... )، أو(السعودية-مصر – البحرين...) وتجزئة المجزأ بالعلاقة مع إسرائيل، توحي بأن الانتخابات الفلسطينية ليست شأناً داخلياً فحسب، بل أمر لن يمر إلا بإجماع إقليمي يحقق الغرض منها.

كم هو مؤلم أن يكون أصحاب الحق(الشعب) آخر من يعلم، وأول من يدفع أو يضحي، وعليه وجب على أصحاب الضمائر الحية من الدعاة، والمنظرين، ومدمني شاشات التلفاز والفضائيات، توعية الناس بمفهوم الحق في الانتخاب والترشيح، وألا يبيعوا أصواتهم بحفنة أمل كانت ستتحقق لولا من رشحوا أنفسهم سابقاً.

وبعيداً عن من هو شرعي ومن هو غير شرعي، فلا براءة لأحد بعد كل ما حدث وسيحدث، ففتح في رام الله تستعد لجولة جديدة من التحدي وخوض غمار السلطة، والمراقب لسلوك (حماس) السياسي منذ فترة يلحظ بوضوح أنها أصبحت لا تفوت فرصة للتمسك بهدف استراتيجي مهم، وهو تقديم نفسها على أنها طرف دولي يمكن الاعتماد عليه مع الشركاء الإقليميين، وأنها ليست مجرد تنظيم (سياسي/عسكري) متهور أو عشوائي، وفي النهاية هنا أو هناك وجبة من دماء الأبرياء كل فترة .