كَمْ ينقُصنا مِنَ النَّبْضِ؟

2021-01-23
د.محمود عبد المجيد عساف

في لحظة خاصم فيها النبض حواشي القلب، توقفت عن شرح درس في مبحث الرياضيات (خاصية الإضافة في التكامل المحدود) للصف الثاني عشر، انتابني شعور باغتراب وغربة موحشة، وبرود مبكر، وثقل في الصدر من أشياء كان عليها أن تتأخر، لكنها جاءت قبل أوانها. رددت في داخلي دعوة (اللهم إني أسألك لذة الشوق إلى السفر) رددها ضميري الذي يأبى أن أترك أنفاس أمي، أو فرحة أطفالي عند عودتي من عملي الذي لا يقدر جهودي.

وبعيداً عن التبلد الذي ينتاب كل ما فينا وما حولنا، وحالات البؤس التي وصلت إلى أبهى صورها، والأحلام التي بدأت تهترئ، بل ماتت في عيون الشباب، ونزيف العقول التي تموت خلاياها كل ساعة، وتناقضات البرامج السياسية بين الحكومة والأحزاب أو المشاريع الإنسانية في المنطق، والصفقات المشبوهة، يبقى الإنسان منا يبحث عن كرامته، يعاني القهر ويدعي الصبر ثم يموت مبكراً .

بعيداً عن الكفاءات المغمورة، والتفاهات المشهورة، عن التزوير في الوعي، والتشوه في المفاهيم لدى النخب المشدوهة بصراع المال والمنصب، ضاربين بعرض الحائط المصالح العامة ومصلحة الوطن الذي يتشدقون باسمه ليل نهار، بعيداً عن جنون الصور، وتزوير الإنجازات، وبيع الأوهام والصعود على أشلاء الشهداء، يبقى الإنسان منا يبحث عن وطن يقرأ ألم الفقراء.

لا أعتقد أنه بقي فينا أو بيننا من لم يتأثر سلبياً بنسب متفاوتة وصلت إل حد الفناء، لكني هنا لست بصدد الحديث عن كل ما سبق بقدر ما أود الحديث عن أسباب الشعور الذي انتابني، ودعوتي التي أسأل الله أن يستجيب لها، وهو شعور الكثير من أمثالي. فهل عجز الشعب الجبار، والوطن الضال عن تحديد وتشخيص الوجع؟ لا أنتظر الإجابة التي يعرفها الصغير والكبير، لِمَ يفضل الكثير منا (من ذوي الكفاءات) الهجرة وتحمل وجع الغربة، والموت المجهول عن البقاء هنا؟ ألهذا الحد فقدنا انتماءنا وولاءنا؟

أعتقد أن لي إجابة مختلفة عما يدور في عقول الكثير من القراء، فالسبب الرئيس من وجهة نظري هو انعدام التوازن التعليمي، وفقدان الارتباط بين أنظمة التعليم ومشاريع التنمية والتحرر، وأعتقد أنه لو كانت الظروف متاحة هنا، للسفر أو الهجرة القسرية لما وجدت في هذه البلاد من يحميها، لقد قضم هذا الانعدام ما تبقى من أحلامنا، ونهش جهود سنوات طويلة ليرضى بها بعض المتنفذين.

ومن منظور اجتماعي، أرى أن انهيار الطبقة الوسطى التي تعد العمود الفقري في بناء المجتمعات الحديثة، والذي ما كان إلا نتيجة لانتشار ثقافة (الفساد المنمق) التي استباحت كل شيء، ومن أهم الأسباب وأكثرها عمقاً في مجتمع محافظ يتبنى مبادئ وأخلاقيات بدأت تتناقض في الوقت الحالي. فأي انتهاك هذا الذي نعيش لنستجدي الحياة؟ أي خنوع هذا الذي يصب القار على أرواحنا لنترك مصائرنا تنتظر الفرج؟

لست وطنياً إلى الحد الذي يجعلني أرضى فيه بانتهاك كرامتي مرتين، مرة عند تهميش شهادتي العليا التي حصلت عليها من الجامعة الأولى في أفريقيا متنازلاً عما تحملت في سبيل الحصول عليها، ومرة أخرى عند إقصائي وإرغامي على العمل دون تحقيق الحد الأدنى من كرامة العيش، ولا أعتقد أن هناك خلافاً على أن كرامة الوطن من كرامة مواطنيه.

لا أعرف بصراحة كيف أختم هذا المقال، فكلما حاولت أن أجد ما ينبش الخاتمة، راودني ما آلت إليه أحوال الناس، إلى الحد الذي تحلل فيه المجتمع، وانحرفت فيه سلوكيات الأشخاص نحو اللامنطق بسبب انتهاك الحقوق التي نصت عليها الشرائع الدينية والمواثيق الدولية.

كم ينقصك من النبض؛ لنعيش في مدينة بلا وجع؟ تحب ناسها، وتكرم أحبتها حتى لا تنساهم ولا ينسوها .