خطيئة العرب مع أفريقيا

2021-07-27
الكاتب : عمر حلمي الغول

لم يكن أمرأ مفاجئا ولا صادما انضمام دولة الاستعمار الإسرائيلية عضوا مراقبا في الاتحاد الأفريقي، كما ذكر بعض المراقبين السياسيين والإعلاميين، لأن القرار جاء بعد جهود دبلوماسية وأمنية إسرائيلية على مدار عقدين من الزمن، وبالتحديد منذ قدم لأول مرة عام 2002 السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أليلين أدماسو أوراق اعتماده عضوا مراقبا لدى الاتحاد الأفريقي، والذي جاء نتاج تصدع البنيان الرسمي العربي، وانخراط العديد من الدول العربية في عملية التطبيع المجاني، وفي أعقاب ابتزاز وضغط الولايات المتحدة وإداراتها المتعاقبة لأهل النظام العربي، وإرغامهم على القبول، وعدم الاعتراض على الطلب الإسرائيلي.

يوم الخميس الماضي أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية انضمام دولتها المارقة مرة أخرى للاتحاد الأفريقي عضوا مراقبا من خلال سفيرها في الاتحاد. وقد استفادت إسرائيل من تراجع مكانة العامل العربي في القارة الأفريقية، نتاج التوترات العربية الأفريقية مع إثيوبيا وغيرها؛ وإدارة العرب الظهر للمصالح الأفريقية، بعد أن كانت أفريقيا بدولها وشعوبها المختلفة تقف إلى جانب المواقف العربية، وقاطعت دولة إسرائيل الكولونيالية بعد حرب حزيران / يونيو 1967 وحرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973؛ وبسبب ارتهان الأنظمة العربية للسياسة الأميركية؛ وفهمهم المغلوط لعملية السلام مع دولة الاستعمار الإسرائيلية، حيث لم يميزوا بين صناعة السلام الممكن والمقبول فلسطينيا وعربيا، وعدم تطبيقهم الخلاق، وبما يخدم مصالحهم عملية التطبيع المجانية مع إسرائيل، وبين استخدام الأوراق الإقليمية والدولية كافة للضغط على دولة المشروع الصهيوني لترجمة عملية السلام ... إلخ.

إسرائيل لم تتوقف لحظة عن محاولاتها، وواصلت جهودها الدبلوماسية والأمنية على مدار الأعوام العشرين الماضية حتى تمكنت مجددا من إحداث اختراق مستفيدة من مجمل التطورات داخل الوطن العربي، والصراع المحتدم بين بعضها وبعض الدول الإفريقية، ما ساعدها على فتح الأبواب المغلقة والمواربة في القارة السمراء، مع الـ46 دولة أفريقية، الأمر الذي ساهم في تعزيز عمليات استثماراتها في أكثر من حقل وميدان، بدءا من الزراعة والصناعة ومرورا بالأمن والماس والتجارة.

ومما لا شك فيه، أن لإسرائيل أهدافا عدة في القارة السمراء، منها: أولا التمثيل الدبلوماسي المتبادل مع الدول الأفريقية؛ ثانيا تعميق التعاون الاقتصادي والتجاري، وتوسيع قاعدة الاستثمار في القارة؛ ثالثا استغلال الثروات الطبيعية الهائلة في دول القارة الفتية لصالح المشاريع العدوانية الإسرائيلية؛ رابعا توسيع وتعزيز نفوذها الأمني داخل تلك الدول، واستغلال ذلك في تحقيق مآربها الأمنية المستهدفة الدول العربية عموما، وهي مصر والسودان وليبيا وتونس والصومال وإريتريا والجزائر والمغرب وموريتانيا وجزر القمر والرأس الأخضر وتشاد وغيرها؛ خامسا العبث بالأمن القومي العربي من خلال دول القرن الأفريقي وغيرها من الدول، التي ترتبط بحدود مشتركة مع الدول العربية؛ سادسا تصدير الأسلحة والمعدات الحربية لدول القارة؛ سابعا وضع أفريقيا تحت المجهر الإسرائيلي، والقيام بدور رأس حربة للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ... إلخ.

وللأسف الشديد أن الإعلان عن انضمام دولة الاستعمار الإسرائيلية للاتحاد الأفريقي مر مرور الكرام، وكأن ما جرى أمراً "طبيعيا" و"مشروعا"، ولا يحتاج لمجرد الاستنكار، أو الشجب أو العتب لدول الاتحاد الأفريقي، الحليف الاستراتيجي للعرب تاريخيا. وهو ما يعكس تقاعسا ورخاوة عربية غير مسبوقة. ويكشف ذلك عن وهن شديد، وتواطؤ على الذات القومية، وإفلاس للمنظومة العربية الرسمية. وحتى القوى القومية العربية الشعبية جاءت ردود فعلها بطيئة وهادئة، ولم تشهد الدول العربية أية حراكات شعبية رافضة للخطوة الأفريقية. وهذا الواقع يحتاج إلى مراجعة وتغيير في النهج والسلوك العربي تجاه ما يجري على الصعد المختلفة في السياسة العربية، لإنقاذ الذات القومية من مستنقع الهزيمة، وفتح الأفق لانتشال الشعوب من دوامة الحروب البينية، والارتقاء لمستوى المسؤولية الوطنية والقومية.